"رقّصوك" لـ"مشروع ليلى": البحر مبتلعاً النهايات

 

 

 

 

 

أخيرًا، طرح الفريق الموسيقي اللبناني "مشروع ليلى" أسطوانته الثالثة "رقصوك"، بفارق عامين عن أسطوانته الثانية "الحل رومانسي". جاء ذلك بعد فترة من التأخير لم تعرف مسبّباته، قبل أن يقوم الفريق بدعوة مستمعيه إلى دعمه ماديًا على موقع Zoomal لإصدار الأسطوانة وتمويل الحملات الإعلاميّة اللاحقة وأشرطة الفيديو المصاحبة لهذا المشروع. لبّى متابعو الفريق النّداء، فموّلوا مشروع فرقتهم، ليصبح بذلك، من أوائل المشاريع العربيّة التي تموّل جماعيّاً، وعلى هذا النحو.

لم يكن توقيت طرح الأسطوانة أكثر مؤاتية من الوقت الحالي. فوسط أحداث مشحونة من مصر لسورية للبنان، طرحت الأغنية العاشرة في الأسطوانة "ونعيد ونعيد ونعيد" التي بدت كاستعادة جديدة للعنة سيزيف الأبدية، وجاءت متّسقةً مع هذه الظروف المحيطة. إنها الأغنية التي تحكي عن جماعة غير واضحة المعالم، ملعونة بلعنة المجابهة المستمرّة في محيط محكوم بجنون لا يكاد ينتهي حتى يبدأ من جديد.

هذه القراءة ستحاول أن تتتبّع سير المواضيع وعمل الفريق منذ الأسطوانة الأولى (مشروع ليلى)، مرورًا بالثانية (الحل رومانسي) حتى الثالثة (رقّصوك)، وتفرد الجزء الأكبر لتحليل مضمون أغنيات هذه الأخيرة.

 

في التوضيب الفنّي للأسطوانات

ملاحقة الإنتاجات الثلاثة لمشروع ليلى توضح تفصيل أن الفريق يعامل أسطواناته في كل مرة كمشاريع مستقلّة، ووحدات كاملة انطلاقًا من التوضيب الفني للأسطوانات، مرورًا بالتحفيزات البصريّة المرافقة لها، وانتهاءً بالمواضيع الموحّدة التي تطغى على أغنيات كل أسطوانة.

 

 

هكذا، اعتمد التوضيب الفنّي للأسطوانة الأولى على الخربشة وكلمات مستخدمة لبنانيًا من نوع: [بيروت] "شرقيّة"، "غربيّة"، والدَّين العام. فيما دوِّن كلام الأغنيات في الداخل بخطّ اليد مع رسوم ملوّنة: (طائرة، بومة، نجمة داوود، الباذنجانة، رسوم غرافيتيّة..) على خريطة بيروت ملاقيًا المضمون اللبناني المحلي الطاغي على مضمون الأغنيات.

جاءت الأسطوانة الثانية "الحل رومانسي" لتركّز أكثر في توضيبها على الفوتوغرافيا واللوغو الذي سيعتمده الفريق في حفلاته ووجوده الإلكتروني. حاول الغلاف تطبيع الهويّة الملتبسة التي لطالما طرحتها الأغنيات، بأن قدّم للمتلقّي عجوز بطربوش على رأسه مع أحمر الشفاه على شفتيه. في الداخل والإعلانات المصاحبة سنجد صورة لمنضدة بمرآة وسرير متروك في غرفة مهملة، وعروس نائمة (أميّة ملاعب) وحولها أعضاء الفريق في الأسود في الفرح / العزاء. كل هذا تصاحب مع مشهديّة الأغنيات التي تضمنّتها الأسطوانة (شوف الكتاب عم يتجعلك تحت المخدة، وأنا قاعد متل التربة ضايع بين إيديك).

أما التوضيب الفني للأسطوانة الأخيرة (رقّصوك)، فيركّز في لون زهري طاغي على ثيمة السفر، ليظهر أفراد الفريق داخل طائرة، وتقف المضيفة / الراقصة وهي تعطي تعليمات النجاة بالرقص، ويظهر مغنّي الفريق حامد سنو مرتدياً سترة النجاة وهو يمسك بـ كلارينيت / فلوت أشبه بالآلة التي لعب عليها خلال الأغنيات في الحفلات مؤخراً. وعلى سطح الأسطوانة، يتحول كل أعضاء الفريق إلى رؤوس كاريكاتوريّة تشبههم في الحقيقة.

 

"مشروع ليلى" و"الحل رومانسي": في الموضوع والمضمون

بعد فوز الأغنية الأولى للفريق بمسابقة محليّة "رقصة ليلى"، صنع لها شريط فيديو، وصارت أغنية رئيسيّة في أسطوانة كاملة لم تحمل عنواناً، واكتفي بـ"مشروع ليلى" على الغلاف. تروي الأغنية انسداد الأفق السياسي في لبنان بعد خمس سنوات من اغتيال الحريري عام 2005، وانحسار أمل الوجود الشعبي بتوزان القوى بين طرفين (بيني وبينك مليونين). انساقت الأسطوانة وقتها وراء اللا إكتراث (كلمني عن الباتنجان) وتهشيم الثوابت السياسيّة المحليّة (احترام استخدام الشهيد: في شهيد مهيمن على السوق). كافة الأغنيات كانت مغرقة في التجربة اللبنانيّة: (الحاجز، الهجرة، الزواج بين الطوائف، العبوات المتفجّرة)، بالترافق مع استذكارات لبنانيّة موسيقيّة وعربيّة أعيد صياغتها في غير محلّها وشكلها الأصليين: (بتونّس بيك، تكتك يا ام سليمان). جاء كل ذلك مع إغراق في اللهجة المحليّة اللبنانيّة، سواءً عبر العبارات (يا زنتوت، يا عكروت، لتلت)، أو الأمكنة (المعاملتين)، وهذا إغراق سيختفي بتدّرج في الأسطوانتين اللاحقتين لصالح بُعد عربي أكثر وجودًا ربما بسبب نجاح الفريق خارج الحدود.

 

 

في "الحل رومانسي"، بدا واضحًا هذا الاتجاه لصالح عناوين أكثر عالمية (كان بدّي غير العالم) ومشهديّة شعريّة (شوف الكتاب عم يتجعلك تحت المخدة) وجمل قد يعاد استخدامها في سياقات غير لبناني (قوم نحرق هالمدينة)، واستشهادات مصريّة (شويكار)، وإن حوفظ على استخدام بعض المصطلحات المستخدمة في السياق اللبناني (ونعمّر واحدة أشرف). أتت هذه الأسطوانة في السنة الأولى للثورة المصريّة، مسبوقة بأغنية منفردة طرح شريط فيديو لها على موقع يوتيوب هي (غدًا يوم أفضل)، حيث أهدى الفريق جملتهم المشهورة: "إلى جيل الثورة". عبّرت هذه الأسطوانة حينها عن أحاسيس جيل غير محدد، بقوّته وضعفه وقدرته على التغيير واستقلاليته بـ نبذ الشعاراتيين (بقا جايي يحكيني ابن الكلب عن كل قضايا العالم، يا إما بتصفف بجنبه يا إما إنك ظالم). ورغم هذا القدرة التعبيريّة الواضحة في نجاح حفلات الفريق في البلدان العربيّة، وظهور جمهور يلاحق كلمات أغنياتهم ويحاول تحليلها وشرحها، لم ترد إشارة أخرى محدّدة لهذا "الجيل" في هذه الأسطوانة، لتبقى الجملة الهدية جملة معزولة ويبقى البؤس الفردي متسيّداً، وسبيل الخلاص.

 

"رقّصوك": الوعي في سوداويّته

يغلب على أسطوانة الفريق الأخيرة "رقصوك" موضوعيّ "الانكسار" و"التسليم". هاذان الموضوعان يُعبَّر عنهما بصياغات عدة: كمواضيع العلاقات العاطفيّة (الحب ذلّ)، الموت، والعلاقة مع السلطة الجماعية المجهّلة (هم). ويبدو أن الموضوع يتعدّى الطيران الظاهري في توضيب الأسطوانة ومتعة الرقص إلى أفكار من نوع السيطرة على الوعي، والاستسلام أو التمرّد بالرّقص، وصولًا إلى تدمير الذات أو خيار القفز من الطائرة التي يبدو أن مصيرها المحتّم هو السقوط.

والتضاد بين عنوان ومعنى الأسطوانتين الحالية والسابق جليّ. فبعد الإيمان بوجود حل، ولو كان: "الحل رومانسي"، ثمّة تبعيّة لفعل جماعة مبهمة: "رقصّوك". هل يكون العنوان الجديد تكريسًا لفكرة هزيمة الحل الذي تصدر الأسطوانة السابق، أو مواكبة للانعطافات التي سلكتها الأحداث في المنطقة في العامين الأخيرين؟

 

 

يبدأ "رقصوك" بـتمهيد موسيقي بمُشاركة لاعب الترومبيت إريك تروفاز بعنوان "أحياناً لا أطوف"، في استعادة لعادة بدأها الفريق في الأسطوانة السابقة بالأغنيّة التقديميّة: "حبيبي"، لكن هذه المرة بلا غناء. تحمل المقدّمة طابعاً جنائزيّاً، خصوصاً إذا ما قورنت بالمقدّمة الحيويّة الراقصة التي درج الفريق على لعبها في حفلات مصر وتونس الأخيرة، والمستعادة من الزمن السابق لإنتاج الأسطوانة الأول.

 

 

"عبدو" هي الأغنية الثانية في الأسطوانة. تروي الأغنية قصّة العجوز بائع الورد المُنكسر، والمغروم بأرملة قبرت قلبها بعد وفاة زوجها. العجوز الحزين يكاد يتحرّك منذ السطر الاول للأغنية بصوته (بين الشوارع صوت بيحوم)، في أمكنة بيروتيّة تحدّدها الأغنية بالشرفات. تستعيد الأغنية صورة نسوة بيوت المدينة اللواتي يتجمعن كلما مرّ عبدو ويتواصلن بين فضاءات الشرفات، متيحة استخدامات عابرة لكلمات محلية (مصمودين، مصفوفين، محمومين). هي قصة حب ذليل من طرف واحد لا يحظى بنهاية سعيدة. الأغنية مصاغة بتوليف مشهدي لقصص بيروتيّة يلحظها المتجول في المدينة، ليس أولها الرجل العجوز أيقونة شارع بليس البيروتي الذي توفي هذا العام، وليس آخرها بائعة الورد في الحمرا (ورد؟ خدي ورد يا ورد). الأغنية تذكّر، أكثر ما تذكّر، بفضاءات عمل عمر الزعنّي (أم الجاكيت) الذي غناه الفريق في أسطوانة "الحل رومانسي".

 

 

هذه العذوبة القصصية تلحَق بأغنية "على بابه" تحت مظلة الموضوع نفسه (الحب ذل) لكن بشكل أكثر سوداويّة. هذه الأغنية التي أديت قبل أن تكتمل في حفلة من حفلات الفريق وبكلمات أخرى، اشتُغِل عليها أكثر ورُكّب عليها كلام ابتدائي بصيغة المخاطَب الحاضر (بنام بستدعيك، بركعلك، برجعلك، بخضعلك) قبل أن تنهي بالمخاطب الغائب (قلبي بيدق على بابه، بيشتهي غيابه، بيتلهّف عذابه). هي قصة علاقة معقّدة وتدميريّة، تحتمل استدعاءً تحليليًا لثنائية السّادي / المازوشي، هَوَت بأحد طرفيها إلى درجة انسحاقيّة من التلذّذ بالعذاب (قلبي بيرميني قدام رجلي، وبيلتهف عذابه، ليش برجعلك بس تخنقني، ليش بخضعلك بس تحرقني). الأسئلة الاستنكاريّة / الواعية هنا تكاد تكون تسليمًا بعدم القدرة على التوقّف عن هذا الانسحاق، ولا يمكن معها إلا استعادة أغنيتي الفريق السابقتين "حبيبي" أو "شم الياسمين" لملاحظة تعاظم القسوة في التعبير عن حالات متقاطعة متشابهة في الفشل العاطفي والعلاقة غير السويّة بين المحبوبين.

 

 

الأغنية الرابعة هي "تاكسي" التي تأتي في صيغة حوار بين سائق تاكسي وزبونه، ولكنه حوار أحادي من جهة السائق فقط، شأن معظم أحاديث سيّارات الأجرة في الواقع التي تكون أقرب للاستماع إلى نظريّات السائقين منها إلى الحوار الثنائي. صحيح إن السائق يمنح زبونه الخيار (فيك تسوق يا إمّا تنساق بيرجعلك الخيار)، لكنه خيار مغلف بعناصر الإجبار قبل الصعود وبعده (شئت أم أبيت العربية رح تمشي) وتحبيط العزم (مشوارك ما إله معنى متل كل شي) قبل حتمية الاستسلام (غصبٍ عنك رح بتموت). وعلى عكس روح الاستسلام والفوقيّة الحتميّة التي تتصدّر الأغنية، يأتي لحنها راقصًا سريعًا وتتصدّره نغمات كمان هاييغ بابازيان: العلامة المسجّلة الخاصة بالفريق.

 

 

الأغنية الخامسة يعنونها الفريق باسم "اسكندر معلوف". من هو اسكندر معلوف؟ شخصيّة حقيقيّة أهديت لها الأغنية؟ لا يشي مضمون الأغنية بكثير عن هويّة اسكندر. إذ تستند على لحن يفيض بالإغواء والغموض، وصوت حامد المستعار غير ذاك الذي اعتاده مستمعوه منه، وكلمات تدعو للإنطلاق والتحرّر والانضمام إلى عوالم أخرى مليئة بالألعاب التي "منعوها عنك". تتحرّك الأغنية في قسمها الأول في نطاق "أنا وأنت"، ثم لا تلبث أن تنتقل في القسم الثاني إلى إدخال طرف ثالث في المعادلة (هم)، هؤلاء الذين يراقبوننا أنا وأنت (النزيف ممكن يفضحهم، النزيف ممكن يصدمهم، النزيف ممكن يعديهم، النزيف ممكن يشفيهم). النظريّة المنتشرة على الشبكة بين جمهور "مشروع ليلى" أن اسم الأغنية مركّب من اسمين أخريين لشخصيّتين حقيقيّتين: محمد اسكندر المغنّي اللبناني المشهور بذكوريّته الفائضة واستخفافه بحقوق النساء، وجو معلوف المذيع اللبناني الذي اشتهر بتجيشه للسلطات ضد المثليين عبر برنامجه التلفزيوني ما تسبب وقتها باعتقالات من السلطة اللبنانية لمجموعة منهم في أمكنة عامة. لكن في ظل عدم تأكيدات الفريق وانعدام الشرح على الأسطوانة يبقى هذه مجرد نظريّة ستضاف إلى نظريات أخرى لاحقة، ويبقى الظاهر من الأغنية وصفها لحالة الخدر منذ بدايتها وصعودها المضطّرد حتى انفجارها في وجه جماعة لن تستوعب مثل هذه الأفعال، من دون أن توضّح الكثير.

 

 

الأغنية السادسة "للوطن" تعيد للأذهان الأغنية المنفردة "غدًا يوم أفضل". تتشابه الأغنيتان، اللتان تخوضان في الشأن العام، في لوم فصيل ثالث على الحال التي آلت إليها الأوضاع. لكنّ الشعاراتيّة في "للوطن" صارت وصمة من الآخرين: (قالولك حاج تبشّر، قالولك ليش مكشّر) بعدما كانت تهمة لهؤلاء الآخرين "غدًا يوم أفضل" (بأى جايي يحكيني ابن الكلب عن كل قضايا العالم). وهكذا كما "اسكندر معلوف" تدور الأغنية في عالم "أنا وأنت وهم". "هم" هنا تعود إلى "القطيع" الذي سيلصَق بهم الكثير من الأفعال (علموك، خونوك، يأسوك).

 

 

تفعيلة "فعّلوك" هذه ستتكرر لاحقًا في أغنية "رقّصوك"، الأغنية التاسعة في الأسطوانة (هذّبوك، ركّعوك، درّبوك، برمجوك..). والأغنيتان "للوطن" ورقصوك" تتشابهان أيضًا في استحضار الرقص كفعل تابع، لا كفعل تحرري (تتحرّك زيهم). لكنّ "رقصوك" بعكس "للوطن": تطرح خيار الفرار ولو عبر الانتحار (كان فيه خيار وإنت رقصت، بالانتحار وانت رقصت)، فيما تكتفي الأولى بتوصيف الحالة التي تتوافق تماماً مع الواقع الحالي الذي تدفع فيه أنظمة عدة الحراكات الشعبية باتجاه حروب أهليّة لتحمي نفسها (يأسّوك حتى تبيع حرياتك تما يضيع الوطن). باختصار هما أغنيتان تكفران بشكل واضح بكليشيهات الوطنيّة المبتذلة، وترفضها حتى عندما تنساق لها مضطرة منكسرة أو تفر منها بالانتحار.

 

 

في الأغنية السابعة "بيشوف"، وعبر لحن بطيء ينتهي بهمهمات صوتيّة جماعيّة، يعود الفريق إلى موضوع الانكسار هذه المرة عبر بوابة تدمير الذات، عبر الاستسلام التام لقوى الشر والمقاومة والتعطيل الموجودة داخل الإنسان نفسه، تلك القوى التي توصَّف هنا بكلمة "النّكد". يصفها الفريق بدقة، ويشخصنها ويجعلها مفكرًا مُخططًا يشعر (بيشوف بشغفي عصيان، بيشوف بفرحي خيانة) ثم يتصرف ويفعل (غضبي بيبرره، وحزني بيشرّعه) قبل أن تنتهي الأغنية بلوم الذات (لمته ع سمّه، وأنا اللي بلعته). إنها أغنية بؤس لحظة اكتشاف النفس ومشقّة الوعي واحتمال المسؤوليّة (أنا استحضرت النكد) وما يُصاحب ذلك من حُزن واستسلام.

 

 

الأغنية الثامنة "ما تتركني هيك"، تستعيد صيغة "الحب ذلّ" من جديد. الأغنية المأخوذة عن أغنية "Ne me quitte pas" لجاك بريل، التي غناها فنانون كثر مثل نينا سيمون وفوديل وناتاشا أطلس، تأتي بترجمة غير حرفيّة مع الحفاظ على معنى وروح الأغنية الأصليّة. إنها أغنية تترجى الحبيب (ما تتركني هيك) وتستعطفه وتطلب منه البقاء (حبيبي خليك) مقابل وعود كثيرة أغلبها خيالي (بقطفلك النجوم، منشرب القمر)، في مزاج غرائبي (كانه موشوم ع شفايفي بسموم، مزجها عفريت بحبر مميت). الأغنية أقل قسوة من "على بابه"، هاربةً نحو الخيال أكثر من التصاقها بخطوات ملموسة.

 

 

الأغنية العاشرة "ونعيد ونعيد ونعيد" هي أغنية الشأن العام الثالثة في الأسطوانة بعد "للوطن" و"رقصوك"، وتكاد تكون المزيج بين الاثنتين. مرة أخرى تعود دوائر "أنا وأنت وهم" لتظهر. لكن الأغنية ليست أرضيّة كما "للوطن"، ولا تحاول أن تتفلّت باستعارات السّيطرة بالرقص والتفعيل كما "رقّصوك". تطرح "ونعيد" خيار المجابهة بدلًا من حل الفرار بالانتحار في "رقّصوك"، أو محض الاستكانة كما في "للوطن". هي واضحة في الترويج للقدرة على الفعل (فينا نرفض، فينا نفتح، فينا نرمي، فينا نزعزع)، لكنها قدرة تنتهي بالإعادة ("ونعيد ونعيد ونعيد" التي تستعيد جملة "ورصاص ورصاص ورصاص" في الأسطوانة السّابقة). هي مجابهة معروف لا تكافؤها منذ البدء، لكنها حتميّة ولو منكسرة، حتى يكاد الصمود في النهاية يصير محض اعتياد سيزيفي، لا أكثر.

 

 

 

تغلق أسطوانة "رقّصوك" الدائرة مع ترومبيت إريك تروفاز في أغنية جنائزيّة ملحميّة أخرى هي "بحر"، التي تختلف موضوعاً ولحناً عن بقية الأغاني حتى تكاد تكون أغنية مستقلّة. إنها أغنية غامضة، تخفي أكثر مما تكشف، وتذّكر بـأمزجة مجموعة من أفلام الجريمة الأميركيّة باتت تصنّف سينمائيًا كـ "فيلم نوار- film noir". وكما هذه الأفلام التي كانت تتميّز بطابع بصري قاتم، تمتلئ "بحر" بالصور الداكنة، وتتخذ من العتمة ستراً وقوة، وتتحرّك ألوانها بين الأسود والأحمر. غموض الأغنية يعزّزه استخدام تقنية القطع السينمائي في مقطع "أخويا شاف السر كان ح يبوح" ثم القطع المفاجئ والانتقال توًا إلى "أخويا جوا الموج عم بينوح". كيف انتقل الأخ إلى قاع البحر؟ من قتله؟ قُتِل قبل، أم غرق فمات؟ عُوقب على معرفته بالسر؟ وما هو هذا السرّ؟

تستمر الصور السينمائيّة بالتدافع (دبغت الموج بدمه، الصيادين نايمين، أخويا في قاع البحر)، لتعج الأغنية بمفاهيم وجوديّة عن الوحدة والاغتراب (الصيادين نايمين)، والقلق الناجم عن الشعور بالمسؤوليّة عن الحدث (أخدته، دبّغت) في مقابل الإلقاء بالتهمة على كاهل قوى أكبر (الابتهال إلى البحر كي يعيد الأخ). وبخلاف التفسير الخاص عن أن الأغنية تتحدث عن شخصين، وبعودة أخرى لعوالم أفلام الـ"نوار" التي كثيراً ما تتحرك أحداثها داخل خبايا النفس، فإن احتمالاً يطفو هو أن استخدام "الأخ" به إشارة إلى "النفس" وليس إشارة إلى "آخر". هذه النظريّة تتعزّز مع جملة "خلي المي تطهره". هل تتحدث الأغنية عن تحرر جزء محدد من النفس (أقوى؟ / أشجع؟ / أشرّ؟) كان على وشك الصعود والظهور ولكنه كُبِتَ وألقيَ به في قاع البحر؟

وإذ يبدو الدافع للجريمة غامضاً، ولا إشارات لاحقة توضّحه أكثر، تبقى حقيقة أن جريمة ما قد اُرتكِبت وندم عليها، ما يعيدنا مرة أخرى إلى موضوعيّ "الإنكسار" و"التسليم" الطاغييْن في الأسطوانة، فالأغنية تذكر من جديد، كما سابقاتها بالطرف الثالث: "هم" هذه المرة "الصيادين".

 

خاتمة

الجسد في "رقّصوك" حاضر في التصميم ومضمون الأغاني. إنه يحضر لدعم أفكار الانصياع أو التمرد. لكنه جسد ينفتح على تفسيرات عدة، عدا حضوره المادي. إنه فعل، ورد فعل لكنهما غير واضحين. ما هو واضح من أغنيات الأسطوانة أن فريق "مشروع ليلى" يدفع في أغنيات الأسطوانة باتجاه مشاهد غير منتهية ومضمون ينفتح على التأويل والشرح والاستنباط، ولا نعرف إن كانت الصياغات البصريّة اللاحقة لهذه الأغنيات (أشرطة الفيديو المزمع صناعتها) ستضرب هذه الميوعة أو تعززها.

ما سبق لا يعدو كونه قراءة خاصة لكاتبيْ هذه القراءة للأسطوانة، ولا يجب أن يؤخذ كتفسير حتمي للمضمون، لأنه يضرب هويّة محتملة للأسطوانة: أن يخلق العمل تفسيراته الخاصة مع متلقيه، وبتلوّن بتغير الأحداث والأمزجة المحيطة.

وبهذا المعنى يبدو "رقصوك" خطوة مهمة لمشروع ليلى نحو الخروج من ثنائيّة الخالق الفاعل والمتلقي السلبي. لعل هذه الفكرة تتعزز أكثر أو تنفى تمامًا مع الإنتاج التالي للفريق. الوقت كفيل بتحديد ذلك.

علِّق